وبعد أن أمر اللَّه - تعالى - عباده بالشفاعة الحسنة ونهاهم عن الشفاعة السيئة ، أتبع ذلك بتعليمهم أدب اللقاء والمقابلة حتى تزيد المودة والمحبة بينهم فقال - تعالى - : * ( وإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) * .
والتحية : تفعلة من حييت والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية فأدغموا الياء في الياء . قال الراغب : أصل التحية من الحياة ، بأن يقال حياك اللَّه ، أي : جعل لك حياة ، وذلك إخبار ثم جعل دعاء تحية . يقال : حيا فلان فلانا تحية إذا قال له ذلك « 1 » .
وكان من عادة العرب إذا لقى بعضهم بعضا أن يقولوا على سبيل المودة : حياك اللَّه فلما جاء الإسلام أبدل ذلك بالسلام والأمان بأن يقول المسلم لأخيه المسلم : السلام عليكم وأضيف إليها الدعاء برحمة اللَّه وبركاته .
قال ابن كثير : قوله - تعالى - * ( وإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) * أي : إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلم ، أوردوا عليه بمثل ما سلم . فالزيادة مندوبة والمماثلة مفروضة . فعن سلمان الفارسي قال : جاء رجل إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : السلام عليكم يا رسول اللَّه . فقال « وعليك السلام ورحمة اللَّه » ثم جاء آخر فقال : السلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه ، فقال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته . ثم جاء ثالث فقال : السلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته فقال له : ( وعليك ) فقال له الرجل :
يا رسول اللَّه ، بأبى أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت على .
فقال ( إنك لم تترك لنا شيئا ) قال اللَّه - تعالى - : * ( وإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) * فرددناها عليك . وفي الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة :
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته . إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « 2 » .
فأنت ترى أن الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن يردوا التحية على من يحيونهم وأن يفشوا هذه التحية بينهم ، لأن إفشاءها يؤدى إلى توثيق علاقات المحبة والمودة بين المسلمين .
وقد ورد في الحض على إفشاء السلام أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا .
ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم « .
وقوله * ( إِنَّ اللَّه كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ) * تذييل قصد به بعث الناس على امتثال أوامر اللَّه واجتناب نواهيه .
هامش
( 1 ) مفردات القرآن للراغب الاصفهاني ص 140
( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 531 .