غزوة الأحزاب حيث ألقى اللَّه - تعالى - في قلوب الأحزاب الرعب فانصرفوا دون أن ينالوا خيرا وكَفَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ . فهذا كله بأس قد كفه اللَّه عن المؤمنين « 1 » .
ثم رغب - سبحانه المؤمنين في التوسط في الخير ، وحذرهم من التوسط في الشر ، فقال :
* ( مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَه نَصِيبٌ مِنْها ، ومَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَه كِفْلٌ مِنْها ) * والشفاعة : هي التوسط بالقول في وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو أخروية ، أو إلى إنقاذه من مضرة . وهي مأخوذة من الشفع وهو الزوج في العدد ضد الوتر . فكأن المشفوع له كان وترا فجعله الشفيع شفعا .
والنصيب : الحظ من كل شيء . والكفل : الضعف والنصيب والحظ .
قال الجمل : واستعمال الكفل في الشر أكثر من استعمال النصيب فيه وإن كان كل منهما قد يستعمل في الخير كما قال - تعالى - يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِه ولقلة استعمال النصيب في الشر وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما في الآية الكريمة حيث أتى بالكفل مع السيئة وبالنصيب مع الحسنة » « 2 » .
والمعنى : من يشفع شفاعة حسنة ، أي يتوسط في أمر يترتب عليه خير * ( يَكُنْ لَه نَصِيبٌ مِنْها ) * أي : يكن له ثواب هذه الشفاعة الحسنة . * ( ومَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً ) * وهي ما كانت في غير طريق الخير * ( يَكُنْ لَه كِفْلٌ مِنْها ) * أي : يكن له نصيب من وزرها وإثمها ، لأنه سعى في الفساد ولم يسع في الخير .
وإطلاق الشفاعة على السعي في الشر من باب المشاكلة ، لأن الشفاعة لا تطلق إلا على الوساطة في الخير .
والآية الكريمة وإن كانت واردة على سبيل التعميم في بيان جزاء كل شفاعة حسنة أو كل شفاعة سيئة ، إلا أن المقصود بها قصدا أوليا ترغيب المؤمنين في أن يعاون بعضهم بعضا على الجهاد في سبيل اللَّه ، وفي انضمام بعضهم إلى بعض من أجل نصرة الحق ، وتهديد المنافقين الذين كان يشفع بعضهم لبعض لكي يأذن لهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم في التخلف عن الجهاد . وقد رجح هذا الاتجاه الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه :
يعنى - سبحانه - بقوله * ( مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَه نَصِيبٌ مِنْها ومَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَه كِفْلٌ مِنْها ) * من يصر يا محمد شفعا لوتر أصحابك ، فيشفعهم في جهاد عدوهم
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 294 - بتصرف وتلخيص
( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 407