كله بيد اللَّه ، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء اللَّه سهل عليه ذلك . ودلت الآية على أنه صلى اللَّه عليه وسلم لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد » « 1 » .
وقوله : * ( عَسَى اللَّه أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّه أَشَدُّ بَأْساً وأَشَدُّ تَنْكِيلًا ) * بشارة للمؤمنين ، ووعد منه - سبحانه - بحسن عاقبتهم وسوء عاقبة الكافرين . و * ( عَسَى ) * حرف ترج . وهو هنا يفيد التحقق واليقين ، لأنه صادر عن اللَّه - تعالى - ، الذي لا يخلف وعده . وفي التعبير بها تعليم للمؤمنين الأدب في القول حتى لا يجزمون بأمر يتعلق بالمستقبل ، بل يسددون ويقاربون ويباشرون الأسباب ثم بعد ذلك يتركون النتائج للَّه - تعالى - والمعنى : قاتل يا محمد في سبيل اللَّه وحرض المؤمنين على ذلك ، عسى اللَّه - تعالى - * ( أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * أي يمنع قتالهم وصولتهم وطغيانهم * ( واللَّه أَشَدُّ بَأْساً ) * أي أشد صولة وأعظم سلطانا ، وأقدر بأسا على ما يريده * ( وأَشَدُّ تَنْكِيلًا ) * أي أشد عقوبة وتعذيبا .
والتنكيل : مصدر من قول القائل نكلت بفلان فأنا أنكل به تنكيلا إذا أوجعته عقوبة ، وجعلته عبرة لغيره . وأصله التعذيب بالنكل وهو القيد ، ثم استعمل في كل تعذيب بلغ الغاية في الشدة والألم .
وأفعل التفضيل * ( أَشَدُّ ) * ليس على بابه ، لأن بأس المشركين لا قيمة له بجانب بأس اللَّه - تعالى - وقوته ونفاذ أمره . وعذابهم لغيرهم من الضعفاء لا وزن له بجانب عذابه - سبحانه - للظالمين ، لأن عذابهم لغيرهم يمكن التخلص منه أما عذابه - سبحانه - فلا يمكن التخلص منه ولأن عذابهم لغيرهم سينتهي مهما طال ، أما عذابه - سبحانه - للكافرين الظالمين فهو باق دائم لا ينتهى ولا يزول .
والمقصود من هذا التذييل تهديد الكافرين بسوء المصير وتشجيع المؤمنين على قتالهم ، وبشارتهم النصر عليهم :
قال القرطبي : قوله - تعالى - * ( عَسَى اللَّه أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * إطماع ، والإطماع من اللَّه - تعالى - واجب لأن إطماع الكريم إيجاب . .
فإن قال قائل : نحن نرى الكفار في بأس وشدة ، وقلتم : إن عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد ؟ قيل له : قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام . فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد فقد كف اللَّه بأس المشركين في بدر الصغرى . وفي الحديبية وفي
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 204