إلى أفعالهم وأقوالهم .
وقوله * ( لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ) * أي : قاتل - يا محمد - في سبيل إعلاء كلمة اللَّه ، واللَّه - تعالى - لا يكلفك إلا فعل نفسك ، فتقدم للجهاد ولا تلتفت إلى تباطؤ المتباطئين ، أو تخذيل المخذلين ، فإن اللَّه هو ناصرك لا الجنود ، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف .
وجملة * ( لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ) * في محل نصب على الحال من فاعل فقاتل . أي : فقاتل حال كونك غير مكلف إلا نفسك وحدها .
قال صاحب الكشاف : قيل : دعا النبي صلى اللَّه عليه وسلم الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان قد واعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم اللقاء فيها . فكره بعضهم أن يخرجوا فنزلت فخرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وما معه إلا سبعون لم يعولوا على أحد . ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده ، وقرئ * ( لا تُكَلَّفُ ) * بالجزم على النهى . ولا نكلف : بالنون وكسر اللام .
أي : لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها » « 1 » .
وقوله * ( وحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ) * أي : حثهم على القتال ورغبهم فيه ، حتى ينفروا معك خفافا وثقالا من أجل نصرة الحق والدفاع عن المظلومين .
ولقد استجاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم لهذه الأوامر ، وأعد نفسه لقتال أعدائه ، ورغب أتباعه في ذلك ، ولذا قال صلى اللَّه عليه وسلم عندما أذن اللَّه له في القتال « واللَّه لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي » « 2 » أي : حتى أموت .
ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق في حروب الردة فقال : واللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، واللَّه لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . ولو خالفتني يميني لجاهدتهم بشمالي « 3 » .
ولقد استفاضت أحاديث النبي صلى اللَّه عليه وسلم في ترغيب أمته في الجهاد ، ومن ذلك قوله لأصحابه يوم بدر وهو يسوى الصفوف : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض .
قال الفخر الرازي : دلت الآية الكريمة على أنه صلى اللَّه عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال ، لأنه - تعالى - ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى اللَّه عليه وسلم موصوف بهذه الصفات . ولقد اقتدى به أبو بكر - رضى اللَّه عنه - حيث حاول الخروج وحده لقتال ما نعى الزكاة ، ومن علم أن الأمر
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 42
( 2 ) السالفة : صفحة العنق ، وكنى بانفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها إلا به .
( 3 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 293