وقد عدد الفخر الرازي المضار التي تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار بدون تثبت فقال :
وكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه :
الأول : أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير .
الثاني : أنه إذا كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة . فإذا لم توجد فيه تلك الزيادات ، أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لأن المنافقين كانوا يروون هذه الإرجافات عن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم .
وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب ، فكانت تلك الإرجافات سببا للفتنة من هذا الوجه .
الثالث : أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام . وذلك سبب لظهور الأسرار . وذلك مما لا يوافق المصلحة .
الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار . فكل ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني . فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم . أرجف المنافقون بذلك ، فوصل الخبر إلى الكفار فأخذوا في التحصن من المسلمين . وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه . فظهر من ذلك أن ذلك الإرجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه . ولما كان الأمر كذلك ذم اللَّه - تعالى - تلك الإذاعة وذلك التشهير ومنعهم منه ) « 1 » .
وقال الشيخ محمد المنير - الذي عاصر الحروب الصليبية - معلقا على هذه الآية : ( في هذه الآية تأديب لمن يحدث بكل ما يسمع وكفى به كذبا وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء العداوة ، والمقيمين في نحر العدو . وما أعظم المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم خيرا أو غيره . ولقد جربنا ذلك في زماننا هذا منذ طرق العدو المخذول البلاد - طهرها اللَّه منه وصانها من رجسه ونجسه ، وعجل للمسلمين الفتح وأنزل عليهم السكينة والنصر ) « 2 » .
والخلاصة ، أن إذاعة الأخبار بدون تثبت - خصوصا في أوقات الحروب تؤدى إلى أعظم المفاسد والشرور ، لأنها إن كانت تتعلق بالأمن فإنها قد تحدث لونا من التراخي وعدم أخذ الحذر ، وإن كانت تتعلق بالخوف فإنها قد تحدث بلبلة واضطرابا في الصفوف .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 198
( 2 ) حاشية تفسير الكشاف ج 1 ص 540