تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
والقول الثاني : أنهم طائفة من أولي الأمر . والتقدير : ولو أن المنافقين ردوا إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر ، وذلك لأن أولي الأمر فريقان : بعضهم من يكون مستنبطا ، وبعضهم من لا يكون كذلك . فقوله * ( مِنْهُمْ ) * يعنى لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر . فإن قيل : إذا كان الذين أمرهم اللَّه برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى المؤمنين هم المنافقون فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله * ( وإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ ) * ؟ قلنا : إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر . لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون . ونظيره قوله - تعالى - : وإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان فضله على عباده فقال * ( ولَوْ لا فَضْلُ اللَّه عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُه لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا ) * . أي : ولولا فضل اللَّه عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - بتوفيقه إياكم إلى الخير والطاعة ، لوقعتم في إغواء الشيطان كما وقع هؤلاء المنافقون وأشباههم ، إلا عددا قليلا منكم وهم الذين أخلصوا دينهم للَّه واعتصموا به فصاروا لا سبيل للشيطان عليهم كما قال - تعالى - إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ . هذا . ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب عدم إذاعة الأخبار - خصوصا في حالات الحرب - إلا بعد التأكد من صحتها ومن عدم إضرارها بمصلحة المسلمين . وفي ذلك يقول الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - * ( وإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِه ) * إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع » . وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم نهى عن قيل وقال . أي : الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين . وفي الصحيح « من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين » . وفي سنن أبي داود أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « بئس مطية الرجل زعموا » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 199 ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 529