والخلاصة : أن الذي تطمئن إليه نفوسنا أن الآية الكريمة تحكى ما كان عليه المنافقون وضعاف الإيمان ، من بعد عن طاعة اللَّه ، ومن جبن في النفوس ومن حب للحياة الدنيا وزينتها .
وأن المؤمنين بعيدون كل البعد عما اشتملت عليه الآية الكريمة من صفات وأحوال لأن ما عرف عنهم من إيمان وإقدام ينأى بهم عن أن يكونوا ممن قال اللَّه فيهم * ( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّه أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) * وعن أن يقولوا : * ( رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) * .
هذا ، وقوله - تعالى - * ( قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) * رد على التصرفات الذميمة ، والأقوال الفاسدة التي صدرت عن المنافقين وضعاف الإيمان ! وإرشاد من اللَّه - تعالى - لعباده إلى أن متاع الحياة الدنيا قليل بالنسبة لما اشتملت عليه الآخرة من نعيم للمؤمنين الصادقين .
والمتاع : اسم لما يتمتع به الإنسان في هذه الحياة من مال وغيره .
والفتيل : هو الخيط الدقيق الذي يكون في شق نواة التمرة . ويضرب به المثل في القلة والتفاهة .
والمعنى : قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يخشون لقاء الأعداء ، ويفزعون من القتال طمعا في التمتع بزينة الحياة الدنيا ، قل لهم : إن منافع الدنيا ولذاتها قليلة مهما كبرت في أعينكم لأنها زائلة فانية ، أما الآخرة بما فيها من نعيم دائم فهي خير ثوابا ، وأعظم أجرا لمن اتقى اللَّه ، وجاهد في سبيله . وإذا كان الأمر كذلك فاجعلوا خشيتكم من اللَّه وحده ، وبادروا إلى الجهاد في سبيل إعلاء كلمة اللَّه ، لكي تنالوا الثواب الجزيل من اللَّه دون أن يذهب من ثوابكم شيئا مهما كان هذا الشيء ضئيلا أو قليلا ، ودون أن ينقص من أعماركم شيئا لأن الجبن لا يؤخر الحياة كما أن الإقدام لا ينقص شيئا منها .
ثم بين - سبحانه - أنه لا مفر لهم من الموت ، وأنهم مهما فروا منه فإنه سيلقاهم آجلا أو عاجلا فقال - تعالى - : * ( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) * .
والبروج : جمع برج وهو الحصن المنيع الذي هو نهاية ما يصل إليه البشر في التحصن والمنعة . وأصل البروج من التبرج بمعنى الظهور . يقال : تبرجت المرأة ، إذا أظهرت محاسنها .
والمراد بها الحصون والقلاع الشاهقة المنيعة .
والمشيدة : أي المحكمة البناء ، والعظيمة الارتفاع من شاد القصر إذا رفعه ، والمعنى : إنكم
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 227
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٢٧