تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
في قوله : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِه ، وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَنْ مَعَه . قال القرطبي : نزلت هذه الآية في اليهود والمنافقين ، وذلك أنهم لما قدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم المدينة عليهم قالوا : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه . قال ابن عباس : ومعنى * ( مِنْ عِنْدِكَ ) * أي : بسوء تدبيرك . وقيل * ( مِنْ عِنْدِكَ ) * أي بشؤمك الذي لحقنا ، قالوه على جهة التطير » « 1 » . وقوله * ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * أمر من اللَّه لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم بأن يرد على مزاعمهم الباطلة . أي قل لهم يا محمد كل واحدة من النعمة والمصيبة هي من جهة اللَّه - تعالى خلقا وإيجادا من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منها بوجه من الوجوه كما تزعمون : وقوله * ( فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) * جملة معترضة مسوقة لتعييرهم بالجهل والغباوة ، والفاء في قوله فمال لترتيب ما بعدها على ما قبلها والمعنى . وإذا كان الأمر كذلك وهو أن كل شيء من عند اللَّه ، فمال هؤلاء القوم من المنافقين وإخوانهم في الكفر وضعف الإيمان لا يكادون - لانطماس بصيرتهم - يفقهون ما يلقى عليهم من مواعظ ، ولا يفهمون معنى ما يسمعون وما يقولون ، إذ لو فقهوا شيئا مما يوعظون به لعلموا أن اللَّه هو القابض الباسط ، وأنه المعطى المانع . قال - تعالى - ما يَفْتَحِ اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه مِنْ بَعْدِه وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وقوله - تعالى - * ( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّه وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) * الخطاب فيه للنبي صلى اللَّه عليه وسلم والمراد كل مكلف من أمته . والمراد بالحسنة ما يسر له الإنسان ويفرح به ، والمراد بالسيئة ما يسوءه ويحزنه . والمعنى : * ( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ) * أي من نعمة وأمور حسنة تفرح بها * ( فَمِنَ اللَّه ) * أي فبتوفيقه لك وتفضله عليك ، وإرشادك إلى الوسائل التي أوصلتك إلى ما يسرك . * ( وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ ) * أي من مصيبة أو غيرها مما يحزن * ( فَمِنْ نَفْسِكَ ) * أي : فمن نفسك بسبب وقوعها فيما نهى اللَّه عنه ، وتركها للأسباب الموصلة إلى النجاح ، كما قال - تعالى : وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا يصيب عبدا نكتة فما فوقها
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 284 .