أيها الخائفون من القتال إن ظننتم أن هذا الخوف منه أو القعود عنه سينجيكم من الموت ، فأنتم بهذا الظن مخطئون ، لأن الموت حيثما كنتم سيدرككم ، ولو كنتم في أقوى الحصون ، وأمنعها وأحكمها بناء ، وما دام الأمر كذلك فليكن موتكم وأنتم مقبلون بدل أن تموتوا وأنتم مدبرون .
والجملة الكريمة لا محل لها من الإعراب ، لأنها مسوقة على سبيل الاستئناف لتبكيت هؤلاء الكارهين للقتال ، وتحريض غيرهم من المؤمنين على الإقدام عليه من أجل نصرة الحق .
ويحتمل أنها في محل نصب ، فتكون داخلة في حيز القول المأمور به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أي : قل لهم يا محمد متاع الدنيا قليل . وقل لهم * ( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ) * .
وأين : اسم شرط جازم ظرف مكان يجزم فعلين ، و « ما » زائدة للتأكيد ، وتكونوا فعل الشرط ويدرككم جوابه .
والتعبير بقوله * ( يُدْرِكْكُمُ ) * للإشعار بأن الموت كأنه كائن حي يطلب الإنسان ويتبعه حيثما كان ، وفي أي وقت كان ، فهو طالب لا بد أن يدرك ما يطلبه ولا بد أن يصل إليه مهما تحصن منه ، أو هرب من لقائه .
وجواب ( لو ) محذوف اعتمادا على دلالة ما قبله عليه أي : ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت .
وقريب في المعنى من هذه الآية قوله - تعالى - قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وقوله - تعالى - : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْه فَإِنَّه مُلاقِيكُمْ .
فالجملة الكريمة صريحه في بيان أن الموت أمر لا مفر منه ، ولا مهرب عنه سواء أقاتل الإنسان أم لم يقاتل . وما أحسن قول زهير بن أبي سلمى :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
ولو رام أسباب السماء بسلم
ثم حكى - سبحانه - ما كان يتفوه به المنافقون وإخوانهم في الكفر من باطل وزور فقال - تعالى : * ( وإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِه مِنْ عِنْدِ اللَّه ، وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِه مِنْ عِنْدِكَ ، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * .
أي : إن هؤلاء المنافقين وأشباههم ، من ضعاف الإيمان وإخوانهم في الكفر بلغ بهم الفجور أنهم إذا أصابتهم حال حسنة من نعمة أو رخاء أو خصب أو غنيمة أو ظفر قالوا هذه الحال من عند اللَّه ، وإذا أصابتهم حال سيئة من جدب أو مصيبة أو هزيمة قالوا هذه الحال من عندك يا محمد بسبب شؤمك وسوء قيادتك - وحاشاه من ذلك صلى اللَّه عليه وسلم - .
وهذا القول منهم قريب من قول قوم فرعون لموسى - عليه السلام - كما حكاه القرآن عنهم