تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
أو دونها إلا بذنب . وما يعفو اللَّه عنه أكثر « . قال وقرأ : وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . وروى ابن عساكر عن البراء - رضى اللَّه عنه - عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم . وما يعفو اللَّه أكثر » . وعلى هذا يكون قوله - تعالى - * ( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ) * . . إلخ من كلام اللَّه - تعالى - والخطاب فيه للنبي صلى اللَّه عليه وسلم والمراد به كل مكلف - كما سبق أن أشرنا - وقد ساقه - سبحانه - على سبيل الاستئناف ردا على مزاعم المنافقين ومن هم على شاكلتهم في الكفر وضعف الإيمان . وقيل إن هذه الآية حكاية من اللَّه - تعالى - لأقوال المنافقين السابقة ، فكأنهم لم يكتفوا بأن ينسبوا للرسول صلى اللَّه عليه وسلم أنه السبب فيما أصابهم من جدب وهزيمة . بل أضافوا إلى ذلك قولهم له : إن ما أصابك من حسنة فمن اللَّه ولا فضل لك فيما نلت من نصر أو غنيمة ، وما أصابك من سيئة أي هزيمة أو مصيبة فمن سوء صنعك وتصرفك . ومقصدهم من ذلك - قبحهم اللَّه - تجريد النبي صلى اللَّه عليه وسلم من كل فضل ، وإلقاء اللوم عليه في كل ما يصيبهم من مصائب . وقد أشار القرطبي إلى هذين القولين بقوله : قوله - تعالى - * ( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّه وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) * الخطاب للنبي صلى اللَّه عليه وسلم والمراد أمته . أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع رزق فمن تفضل اللَّه عليكم ، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم أي من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم . وقيل : في الكلام حذف تقديره : يقولون . وعليه يكون الكلام متصلا ، والمعنى : * ( فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) * حتى يقولوا * ( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّه وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) * « 1 » . وقال الجمل : فإن قلت : كيف وجه الجمع بين قوله - تعالى : * ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * وبين قوله * ( وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) * فأضاف السيئة إلى فعل العبد في هذه الآية - بينما أضاف الكل إلى اللَّه في الآية السابقة - ؟ قلت : أما إضافة الأشياء كلها إلى اللَّه في الآية السابقة في قوله * ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * فعلى الحقيقة ، لأن اللَّه هو خالقها وموجدها . وأما إضافة السيئة إلى فعل العبد في قوله * ( وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) * فعلى سبيل المجاز . والتقدير : وما أصابك من سيئة فمن أجلها وبسبب
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 285 بتلخيص .