تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
ويبدو أن هذه طبيعة أكثر المتهورين في كل وقت ، إنهم قبل أن يجد الجد أشد الناس حماسة للقاء الأعداء ، فإذا ماجد الجد ووقعت الواقعة كانوا أول الفارين ، وأول الناكصين على أعقابهم . وذلك لأن الشجعان العقلاء لا يتمنون لقاء الأعداء ، ولا ينشئون القتال إنشاء ، وإنما يقدرون الأمور حق قدرها ، ويضعون الأشياء في مواضعها ، فإذا ما اقتضت الضرورة خوض معركة من المعارك ثبتوا ثبات الأبطال . أما المندفعون بدون إيمان يدفعهم ، أو عقل يرشدهم ، فإنهم لعدم تقديرهم للأمور يكونون في ساعة الشدة أول الناس جزعا ونكولا وانهيارا . ولكن من هؤلاء الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة ووصفتهم بأنهم حين كتب عليهم القتال « إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية اللَّه أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب . . » ؟ ! ! إن الذي يراجع أقوال المفسرين يرى أن بعضهم يميل إلى أن الآية الكريمة في شأن المؤمنين ، ويرى أن بعضهم يرجح أنها في شأن المنافقين ، وقد لخص الإمام الرازي هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال : « هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين ؟ فيه قولان : الأول : أن الآية نزلت في المؤمنين . قال الكلبي : نزلت في عبد الرحمن بن عوف ، والمقداد ، وقدامة بن مظعون ، وسعد بن أبي وقاص . كانوا مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة ، ويلقون من المشركين أذى شديدا ، فيشكون ذلك إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ويقولون : ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كفوا أيديكم فإني لم أومر بقتالهم ، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى المدينة كرهه بعضهم فأنزل اللَّه هذه الآية . ثم قال : واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال والراغبون في القتال هم المؤمنون ، فدل هذا على أن الآية في حق المؤمنين . . وأن كراهتهم للقتال إنما هي بمقتضى الجبلة البشرية . . . وقولهم * ( لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ) * محمول على التمني في التخفيف للتكليف لا على وجه الإنكار لإيجاب اللَّه تعالى . ثم قال : والقول الثاني : أن الآية نازلة في حق المنافقين . واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين ، لأن اللَّه وصفهم بأنهم * ( يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّه أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) * ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق ، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من اللَّه - تعالى - ولأنه - سبحانه - حكى