وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره . فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم .
الثاني : أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ، ظهر منهم ذلك التمرد . فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد ، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار .
الثالث : لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل ، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول .
ثم قال : وإنما قال - سبحانه - * ( واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) * . ولم يقل واستغفرت لهم : إجلالا للرسول صلى اللَّه عليه وسلم . وأنهم إذا جاؤوا من خصه اللَّه برسالته ، وأكرمه بوحيه ، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه ، ومن كان كذلك فإن اللَّه لا يرد شفاعته ، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة « 1 » .
فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين ، وسمت بمكانة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عند ربه سموا عظيما .
ورحم اللَّه ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : وقوله : * ( ولَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ) * . الآية . يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فيستغفروا اللَّه عنده ، ويسألوه أن يستغفر لهم ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب اللَّه عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال : * ( لَوَجَدُوا اللَّه تَوَّاباً رَحِيماً ) * .
وقد جاء عن الإمام العتبى أنه قال : كنت جالسا عند قبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم فجاء أعرابي فقال :
السلام عليك يا رسول اللَّه ! ! سمعت اللَّه يقول : * ( ولَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ) * .
الآية : وقد جئتك مستغفرا لذنبي ، مستشفعا بك عند ربي . ثم أنشأ يقول :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه
فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قال العتبى : ثم انصرف الأعرابي ، فرأيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم في النوم فقال « يا عتبى الحق الأعرابي فبشره أن اللَّه قد غفر له » « 2 » .
ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 519 .
( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 162 .