تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وقوله * ( لا يُؤْمِنُونَ ) * هو جواب القسم . وقوله * ( ثُمَّ لا يَجِدُوا ) * معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام . أي : حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا . وقوله * ( تَسْلِيماً ) * تأكيد للفعل . بمنزلة تكريره . أي تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبراني عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » . هذا ، وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخاري عن الزهري عن عروة قال : خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرة - أي في مسيل مياه - . فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك . فقال الأنصاري : يا رسول اللَّه ! ! أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثم قال : اسق يا زبير . ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار - . ثم أرسل الماء إلى جارك . قال الزبير : فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك * ( فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) * « 1 » . وهذا السبب الخاص في نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها في وجوب التحاكم إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في حياته ، وإلى الشريعة التي أتى بها بعد وفاته ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء . ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وما جاء في البخاري من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصاري يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت في زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعه اللَّه دون سواها . والمتأمل في الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث : أولها : أن يتحاكم إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في حياته ، وإلى شريعته بعد وفاته . وثانيها : أن يتقبل حكم الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي صلى اللَّه عليه وسلم برضا وطيب خاطر ، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل . قال - تعالى - : * ( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ) *
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 520 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 203 | سيد محمد طنطاوي