تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
والمعنى : فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل ، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم اللَّه ، واتباعهم حكم الطغيان * ( ثُمَّ جاؤُكَ ) * معتذرين عما حدث منهم من قبائح ، والحال أنهم * ( يَحْلِفُونَ بِاللَّه ) * كذبا وزورا * ( إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وتَوْفِيقاً ) * أي ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين ، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم ، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك ، فلا تؤاخذنا بما فعلنا . والاستفهام بكيف هنا للتهويل . أي أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة ، ويأتون للرسول صلى اللَّه عليه وسلم معتذرين ، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية : لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح . والباء في * ( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) * للسببية . والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحاكمهم إلى الطاغوت . وعبر عن ذلك بقوله : * ( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) * : لأن الأيدي مظهر من مظاهر الإنسان . والتعبير ب « ثم » في هذا المقام للإشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل : تعالوا إلى حكم اللَّه . . . وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإحسان والتوفيق . وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب . وانكشف أمرهم بين المؤمنين ، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت . ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبهه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة اللَّه إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس . فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم ، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم ، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة اللَّه إلى غيرها إلا بقصد الإحسان إلى المتنازعين ، والتوفيق بين مختلف الطوائف في المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين . ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب اللَّه شيئا ، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة اللَّه ، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها . ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين ، وأرشد نبيه صلى اللَّه عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى - : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّه ما فِي قُلُوبِهِمْ ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ، وعِظْهُمْ ، وقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً ) * . أي : أولئك الذين نافقوا ، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة ، وتركوا حكم اللَّه إلى حكم الطاغوت . . . * ( أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّه ما فِي قُلُوبِهِمْ ) * من النفاق والميل إلى الكفر ، وإن أظهروا إسلامهم .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 198 | سيد محمد طنطاوي