تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
وقوله * ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) * . . إلخ بيان لطرق معالجتهم . أي : فلا تلتفت إليهم ، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة ، ولا تقبل عليهم ، لكي يشعروا باستنكارك لأعمالهم . وقوله * ( وعِظْهُمْ ) * : الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب ، ويشتمل على الترغيب والترهيب . أي : ذكرهم بما في أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم ، وبما في تركها من خير جزيل يعود عليهم في دنياهم وآخرتهم ، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة اللَّه سيكون فيه هلاكهم . وقوله * ( وقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً ) * أي قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره . بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك . وفي هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر ، حتى لكأنما القول الذي يقوله الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لهم : يودع مباشرة في الأنفس ، ويستقر رأسا في القلوب . وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : بم تعلق قوله : * ( فِي أَنْفُسِهِمْ ) * قلت : بقوله * ( بَلِيغاً ) * أي : قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ، ويستشعرون منه الخوف استشعارا ، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق ، وأطلع قرنه ، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند اللَّه ، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين . وما هذه المكانة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره . فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف . أو يتعلق بقوله * ( قُلْ لَهُمْ ) * . أي : قل لهم في أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا . وإن اللَّه يعلم ما في قلوبكم . لا يخفى عليه . فلا يغنى عنكم إبطانه . فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق . وإلا أنزل اللَّه بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه ، وشرا من ذلك وأغلظ ، أو قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ، ليس معهم غيرهم . قولا بليغا يبلغ منهم ، ويؤثر فيهم « 1 » . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة . وهذه الطرق هي الإعراض عنهم ، ووعظهم بما يرغبهم في الخير ويرهبهم من الشر ، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذي يحرك نفوسهم تحريكا قويا ، ويجعلهم يقبلون عليه .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 527 .