وثالثها : أن يذعن لأحكام شريعة اللَّه إذعانا تاما في مظهره وحسه . قال - تعالى - * ( ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) * . أي يخضعوا خضوعا تاما .
فقوله - تعالى - * ( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ) * يمثل الانقياد الباطني والنفسي .
وقوله - تعالى - * ( ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) * يمثل الانقياد الظاهري والحسى .
وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة اللَّه بأسلوب يبعث في النفوس الوجل والخشية ، ويحملهم على الإذعان لأحكام اللَّه - تعالى - .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس ، ورحمته بهم . فقال - تعالى - :
* ( ولَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ، ما فَعَلُوه إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ، ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِه ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) * .
والمراد بقوله * ( كَتَبْنا ) * : فرضنا وأوجبنا .
والمراد ( بقتل النفس ) تعريضها للهلاك من غير أمل في النجاة ، وقيل : المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد .
والمراد بالخروج من الديار : الهجرة في سبيل اللَّه ، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها استجابة لأمر اللَّه .
قال الفخر الرازي : الضمير في قوله * ( ولَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ) * فيه قولان :
الأول : وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين ، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم . فقال - تعالى - : ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة ، وحينئذ يصعب الأمر عليهم ، وينكشف كفرهم ، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة ، فليتركوا النفاق ، وليقبلوا الإيمان على سبيل الإخلاص . وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال .
الثاني : أن المراد لو كتب اللَّه على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم ، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده ، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة ، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين .
وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق . وأما الضمير في قوله * ( ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِه ) * فهو مختص بالمنافقين ، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 204
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٠٤