تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم ، ومن شريعة عادلة ، ويزعمون كذلك أنهم آمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية ؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم . فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين ، وحض النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة ، حتى يأخذوا حذرهم منهم . وفي وصفهم بادعاء الإيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحوالهم ، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره . وقوله : * ( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ) * بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة ، وصفاتهم السيئة . والمراد بالطاغوت هنا : ما سوى شريعة الإسلام من أحكام باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به : كعب بن الأشرف لأنه هو الذي أراد المنافقون التحاكم إليه ، وقد سماه اللَّه بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى اللَّه عليه وسلم . والمعنى : أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك ، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أي إلى من يعظمونه ، ويصدرون عن قوله ، ويرضون بحكمه من دون حكم اللَّه . وقوله * ( وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه ) * جملة حالية من ضمير يريدون . أي : يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن اللَّه - تعالى - قد أمرهم بالكفر به ، وبالانقياد للأحكام التي يحكم بها النبي صلى اللَّه عليه وسلم . وقوله * ( ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً ) * معطوف على قوله * ( يُرِيدُونَ ) * وداخل في حكم التعجيب ، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم ، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد . والمراد بالضلال البعيد : الكفر والبعد عن الحق والهدى . ووصفه بالبعد للمبالغة في شناعة ضلالهم ، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذي مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة . قال ابن كثير : هذه الآية إنكار من اللَّه - تعالى - على من يدعى الإيمان بما أنزل اللَّه على رسوله وعلى الأنبياء السابقين . وهو مع ذلك ، يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير