تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
كتاب اللَّه ، وسنة رسوله . كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما . فجعل اليهودي يقول : بيني وبينك محمد . وذاك يقول : بيني وبينك كعب بن الأشرف . وقيل : في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية . وقيل غير ذلك . والآية أعم من ذلك كله ، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل . وهو المراد بالطاغوت هنا « 1 » . ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق ، ونفورهم عن شريعة اللَّه - تعالى - فقال : * ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّه وإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ) * . أي : وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم اللَّه وحكم رسوله ، فإن الخير كل الخير فيما شرعه اللَّه وقضاه ، إذا ما قيل لهم ذلك * ( رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ ) * الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، رأيتهم لسوء نواياهم ، ولؤم طواياهم * ( يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ) * أي يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا . وقوله * ( تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّه وإِلَى الرَّسُولِ ) * إغراء لهم بتقبل الحق ، وحض لهم على الامتثال لشريعة اللَّه لأنها هي الشريعة التي فيها سعادتهم ، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل . وقال - سبحانه - * ( رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ ) * ولم يقل رأيتهم بالإضمار لتسجيل النفاق عليهم ، وذمهم به ، وللإشعار بعلة الحكم أي : رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا . وقوله * ( صُدُوداً ) * مصدر مؤكد بفعله أي : يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئا ، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم . فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل : صدودا أي صدود . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم ، وهي أنهم إذا ما دعوا إلى حكم اللَّه الذي يزعمون أنهم آمنوا به ، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا ، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم . ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول : * ( فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ، ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّه ، إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وتَوْفِيقاً ) * . والفاء في قوله * ( فَكَيْفَ ) * للتفريع . و « كيف » في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 519 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 197 | سيد محمد طنطاوي