وكفى فعل ماض . وقوله * ( بِجَهَنَّمَ ) * فاعله على زيادة الباء فيه . وقوله * ( سَعِيراً ) * تمييز أو حال .
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة من قوله - تعالى - * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) * إلى قوله : * ( وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) * قد وبخت اليهود على بيعهم دينهم بدنياهم ، وتحريفهم الكلم عن مواضعه واستهزائهم بدعوة الحق ، وتزكيتهم لأنفسهم بالباطل ، وافترائهم على اللَّه الكذب ، وتفضيلهم عبادة الأوثان على عبادة اللَّه ، وعلى بخلهم وحسدهم للنبي صلى اللَّه عليه وسلم على ما آتاه اللَّه من فضله .
وقد توعدتهم على هذه الصفات الذميمة ، والمسالك الخبيثة بأشد أنواع العذاب ، وحذرت المؤمنين من شرورهم ومفاسدهم .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة كل كافر ، وحسن عاقبة كل مؤمن ، فقال :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 56 إلى 57 ]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّه كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا ( 57 )
والمراد بالذين كفروا هنا : كل كافر سواء أكان من بني إسرائيل أم من غيرهم .
وقوله : * ( نُصْلِيهِمْ ) * من الإصلاء وهو إيقاد النار . والمراد هنا إدخالهم فيها وقوله :
* ( نَضِجَتْ ) * من النضج وهو بلوغ نهاية الشيء . يقال : نضج الثمر واللحم ينضج نضجا إذا أدرك وبلغ نهايته . والمراد هنا : احتراق الجلود احتراقا تاما .
والمعنى : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا ) * الدالة على أن اللَّه وحده هو المستحق للعبادة والخضوع * ( سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً ) * أي : سوف ندخلهم نارا هائلة عظيمة وسوف هنا - كما قال سيبويه - للتهديد وتأكيد العذاب المقبل ولو مع التراخي وتراخى العذاب مع تأكيده يجعل النفس في فزع دائم ، وخوف مستمر حتى يقع .
وقوله * ( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) * بيان لشدة العذاب ودوامه أي : كلما
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 185
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٨٥