تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
الأوثان على عبادة الرحمن . إلى توبيخهم على البخل والأثرة فقال - تعالى - : * ( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ) * . و * ( أَمْ ) * هنا منقطعة بمعنى بل فهي للإضراب والانتقال ، والهمزة للاستفهام الإنكارى أي : لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ، وإبطال زعمهم من أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان . والفاء في قوله * ( فَإِذاً ) * للسببية الجزائية لشرط محذوف . والنقير : النكتة التي تكون في ظهر النواة ويضرب به المثل في القلة والحقارة . والمعنى : إن هؤلاء اليهود ليس لهم نصيب من الملك البتة . لأنهم لا يستحقونه ، ولأنهم لو أوتوا نصيبا منه على سبيل الفرض فإنهم لشدة حرصهم وبخلهم وأثرتهم لا يعطون أحدا غيرهم منه أقل القليل . وقد كنى عن أقل القليل هذا بالنقير . فأنت ترى أن الآية الكريمة ترد على ما يزعمه اليهود من أن الملك لهم ، وأنهم لا يليق بهم أن يتبعوا غيرهم ، وتصفهم بأنهم أبخل الناس وأبعدهم عن العدل والقسط ومن كانت هذه صفاته ، فقد اقتضت حكمة اللَّه أن يحرمه نعمة الملك والسلطان . ثم انتقل - سبحانه - من تبكيتهم على البخل وغيره مما سبق إلى تقريعهم على رذيلة الحسد التي استولت عليهم فأضلتهم وجعلتهم يتألمون لما يصيب الناس من خير ويتمنون زواله فقال - تعالى : * ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِه ) * . و * ( أَمْ ) * هنا منقطعة أيضا كسابقتها ، والاستفهام المقدر بعدها لإنكار الواقع وهو حسدهم لغيرهم . والمراد من الناس : النبي صلى اللَّه عليه وسلم أو هو والمؤمنون معه . وقيل المقصود من الناس : العرب عامة . قال الفخر الرازي : والمراد من الناس - عند الأكثرين - أنه محمد صلى اللَّه عليه وسلم . وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم أو المراد بهم : الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ومن معه من المؤمنين لأن لفظ الناس جمع فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد . وحسن لفظ إطلاق الناس عليهم لأنهم القائمون بالعبودية الحق للَّه - تعالى - فكأنهم كل الناس . . . » « 1 » . والمراد بالفضل في قوله * ( عَلى ما آتاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِه ) * النبوة والهدى والإيمان . والمعنى : إن هؤلاء اليهود ليسوا بخلاء فقط بل إن فيهم من الصفات ما هو أقبح من البخل
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 132 .