تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
ثم بين - سبحانه - مصيرهم السيئ بسبب انحرافهم عن الحق فقال - تعالى - * ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّه ) * . أي : أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان ، فأيدوا المشركين بالقول والعمل وسجدوا لأصنامهم ، وزكوا أفعالهم . . . أولئك الذين هذه صفاتهم * ( لَعَنَهُمُ اللَّه ) * أي : أبعدهم عن رحمته وطردهم وأخزاهم بسبب كذبهم في حقدهم وإيثارهم عبادة الشيطان على طاعة الرحمن . * ( ومَنْ يَلْعَنِ اللَّه فَلَنْ تَجِدَ لَه نَصِيراً ) * أي ومن يلعنه اللَّه ويبعده عن رحمته فلن تجد له ناصرا ينصره ، أو شفيعا يشفع له . واسم الإشارة * ( أُولئِكَ ) * مبتدأ . والموصول وصلته خبر . والجملة مستأنفة لبيان حالهم . وإظهار سوء مآلهم . والإتيان باسم الإشارة هنا في نهاية البلاغة ، لأن من بلغ وصف حاله هذا المبلغ صار جديرا بأن يشار إليه بكل ازدراء واحتقار . وفي قوله * ( ومَنْ يَلْعَنِ اللَّه فَلَنْ تَجِدَ لَه نَصِيراً ) * بيان لحرمانهم ثمرة استنصارهم بمشركي قريش ، وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون ، لأنهم هم المقربون عند اللَّه ، ومن يقربه اللَّه فلن تجد له خاذلا . هذا ، وتحالف أولئك اليهود مع المشركين ، وتفضيلهم إياهم على المؤمنين - كما حكته الآية الكريمة - قد شهد بقبحه واحد من اليهود هو الدكتور إسرائيل ولفنسون . فقد قال في كتابه « تاريخ اليهود في جزيرة العرب » معلقا على هذه القصة : وكان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في هذا الخطأ الفاحش ، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم ، لأن بني إسرائيل الذين كانوا لمدة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين ، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من الأدوار التاريخية . . . كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز عليهم في سبيل أن يخذلوا المشركين ، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأوثان ، إنما كانوا يحاربون أنفسهم ، ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من عبدة الأصنام ، والوقوف منهم موقف الخصومة « 1 » . ثم انتقل - سبحانه - من توبيخهم على تزكيتهم لأنفسهم بالباطل وعلى تفضيلهم عبادة
هامش
( 1 ) تاريخ اليهود في جزيرة العرب لإسرائيل ولفنسون .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 182 | سيد محمد طنطاوي