تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وقال الفخر الرازي - بعد أن بين معنى الآية على القول الأول - : أما القول الثاني : فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه ثم ذكروا فيه وجوها . الأول : قال الحسن : نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها أي على ضلالتها والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات . الثاني : يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير . وبالوجوه : رؤساؤهم ووجهاؤهم . والمعنى : من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الإقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والإدبار والمذلة . الثالث : قال عبد الرحمن بن زيد : هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى . وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام ، فرد اللَّه وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام . . فيكون المراد بطمس الوجوه على هذا الرأي : إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها « . وقد مال الفخري الرازي إلى القول الثاني ووصفه بأنه لا إشكال معه البتة . . . » « 1 » . وقال بعض العلماء : إن الذي يبدو لنا من ظاهر النص وهو قوله - تعالى - * ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ) * : أنه يراد به سحقهم في القتال ، وحملهم على أن يولوا الأدبار ، فتكون وجوههم غير بادية بصورها ، بعد أن كانوا مقبلين بها ، فأزالها السيف والخوف ، وجعل صورتها مختفية ، وأقفيتهم هي البادية الواضحة ، فكأن صورة الوجوه قد زالت وحلت محلها صورة الأدبار . وعلى ذلك يكون المعنى : إنكم استرسلتم في غيكم وضلالكم . ومع ذلك نطالبكم بالهداية والإيمان قبل أن ينزل بكم غضب اللَّه - تعالى - في الدنيا وذلك بتسليط المؤمنين بالحق عليكم ، فيذيقونكم بأس القتال فتفرون ، وتختفى وجوهكم . . . » « 2 » . هذه بعض الوجوه التي قالها من يرى أن المراد بالطمس الطمس المعنوي وأن اللفظ محمول على المجاز ، ولعل هذا الاتجاه أقرب إلى الصواب لسلامته من الاعتراضات والإشكالات التي أوردها بعض المفسرين - كالرازي والآلوسى - عند تفسيرهما للآية الكريمة . وقوله * ( أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ ) * بيان لعقوبة أخرى سوى العقوبة السابقة . واللعن : هو الطرد من رحمة اللَّه - تعالى - .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 121 . بتصرف يسير - . ( 2 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء الإسلام السنة الخامسة عشرة . العدد الأول .