فالآية الكريمة دعوة لليهود إلى الإيمان بما جاء به محمد صلى اللَّه عليه وسلم من قبل أن يطبع اللَّه - تعالى - على قلوبهم ويذهب بنورها فلا تتجه إلى الحق ولا تميل إليه . أو من قبل أن يلعنهم ويطردهم من رحمته ويجعلهم عبرة للمعتبرين .
وأصحاب السبت هم قوم من اليهود حرم اللَّه عليهم الصيد في يوم السبت ، فتحايلوا على استحلال ما حرمه اللَّه بحيل قبيحة ، فأنزل اللَّه عليهم عذابه ، ومسخهم قردة . . .
وقد ذكر اللَّه قصتهم بشيء من التفصيل في سورة الأعراف « 1 » .
وكلمة « أو » في الآية الكريمة لمنع الخلو . فجوز أن يعاقب اللَّه طائفة منهم بعقوبة من هاتين العقوبتين ، ويعاقب طائفة أخرى منهم بالعقوبة الثانية إن هم استمروا في ضلالهم وطغيانهم .
والضمير المنصوب في قوله « نلعنهم » يعود لأصحاب الوجوه . أو للذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات .
وقوله * ( وكانَ أَمْرُ اللَّه مَفْعُولًا ) * أي كان وما زال جميع ما أمر اللَّه به وقضاه نافذا لا محالة لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء :
والجملة الكريمة تذييل قصد به تهديد هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويدخلوا في صفوف المؤمنين .
وقوله * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * . استئناف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد ، ولتأكيد وجوب امتثال الأمر بالإيمان ، لأنه لا مغفرة إذا انتفى الإيمان .
والمراد بالشرك هنا : مطلق الكفر فيدخل فيه كفر اليهود دخولا أوليا .
والمعنى : إن اللَّه لا يغفر لكافر مات على كفره ، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصي لمن يشاء أن يغفر له إذا مات من غير توبة . فمن مات من المسلمين بدون توبة من الذنوب التي اقترفها فأمره مفوض إلى اللَّه ، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة .
وقوله * ( ومَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ) * استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك ، وزيادة في تشنيع حال المشرك .
أي . ومن يشرك باللَّه في عبادته غيره من خلقه ، فقد ارتكب من الآثام ما لا تتعلق به المغفرة ، لأنه بهذا الإشراك قد افترى الكذب العظيم على اللَّه ، واقترف الإفك المبين ، وفعل أعظم ذنب في الوجود :
هامش
( 1 ) راجع كتابنا « بنوا إسرائيل في القرآن والسنة » ج 2 من ص 52 - 60 .