تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ) * روى أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم تلا قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فقال له رجل : يا رسول اللَّه والشرك ! ! فنزل : * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ) * . الآية . وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة . وقوله * ( ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه . فقال ابن جرير الطبري : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة فهو في مشيئة اللَّه إن شاء عفا عنه ذنبه ، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا باللَّه - تعالى - » « 1 » . وقد أورد ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ثلاثة عشر حديثا تتعلق بها . ومن هذه الأحاديث ما رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده عن جابر أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع في الحجاب « قيل يا نبي اللَّه وما الحجاب ؟ قال : الإشراك باللَّه . ثم قرأ : * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ) * . الآية . وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور ، وقاطع الرحم ، حتى نزلت هذه الآية : * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * وفي رواية لابن أبي حاتم : فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى اللَّه - تعالى - » « 2 » . وقال الآلوسي : ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة - الذين يسوون بين الإشراك باللَّه وبين ارتكاب الكبيرة بدون توبة - يرد بها أيضا - على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه مخلد في النار . وذكر الجلال أن فيها ردا أيضا على المرجئة القائلين : إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون . وأخرج ابن الضريس وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى اللَّه عليه وسلم قوله - تعالى - * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ) * وقال : « إني ادخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا ورجونا » . وقد استبشر الصحابة بهذه الآية حتى قال علي بن أبي طالب : أحب آية إلى في القرآن * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * « 3 » . ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من قبائح اليهود فقال :
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 245 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 510 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 53 .