* ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ، بَلِ اللَّه يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا . انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ وكَفى بِه إِثْماً مُبِيناً ) * .
روى المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين أن رجالا من اليهود أتوا النبي صلى اللَّه عليه وسلم بأطفالهم فقالوا : يا محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال : لا . فقالوا : واللَّه ما نحن إلا كهيئتهم .
ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل ، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار » « 1 » .
ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم قالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً .
وحكى عنهم أنهم كانوا يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الأَدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا .
وحكى عنهم وعن النصارى أنهم قالوا : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّه وأَحِبَّاؤُه .
والاستفهام في قوله - تعالى - * ( أَلَمْ تَرَ ) * للتعجب من أحوالهم ، والتهوين من شأنهم حيث بالغوا في مدح أنفسهم مع أنهم كاذبون في ذلك .
وقوله * ( يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ) * من التزكية بمعنى التطهير والتنزيه عن القبيح . والمراد بهذا التعبير هنا : أنهم يصفون أنفسهم بالأفعال الحسنة ، ويمدحونها مدحا كثيرا ، مع أنهم لا يستحقون إلا الذم بسبب سوء أقوالهم وأفعالهم .
والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء اليهود الذين يمدحون أنفسهم ويثنون عليها مختالين متفاخرين مع ما هم عليه من الكفر وسوء الأخلاق ؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فها نحن نكشف لك عن خباياهم لتتعجب من سوء أعمالهم وليتعجب منهم كل عاقل .
وقوله * ( بَلِ اللَّه يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ) * إبطال لمعتقدهم بإثبات ضده ، وهو أن التزكية شهادة من اللَّه ولا ينفع أحدا أن يزكى نفسه ، وإعلام منه - سبحانه - بأن تزكيته هي التي يعتد بها لا تزكية غيره ، فإنه هو العالم بما ينطوى عليه الإنسان من حسن وقبح ، وخير وشر .
وقوله * ( ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) * بيان لكمال عدله - سبحانه - وأنه لا يظلم أحدا من خلقه لا قليلا ولا كثيرا .
والفتيل : هو الخيط الذي يكون في شق النواة . وكثيرا ما يضرب به المثل في القلة والحقارة .
أي أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم بغير حق يعاقبون على هذا الكذب بما يستحقون من عقاب عادل لا ظلم معه لأنه - سبحانه - لا يظلم أحدا من عباده شيئا بل يجازى كل إنسان بما هو أهل له من خير أو شر .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 520 .