تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
أي : ولو أنهم قالوا عند سماعهم لما يدعوهم إليه الرسول صلى اللَّه عليه وسلم من حق وخير ، * ( سَمِعْنا ) * قولك سماع قبول واستجابة ، وأطعنا أمرك بدل قولهم سمعنا وعصينا . ولو أنهم قالوا عند مخاطبتهم له صلى اللَّه عليه وسلم * ( واسْمَعْ ) * إجابتنا لدعوة الحق * ( وانْظُرْنا ) * حتى نفهم عنك ما تريده منا بدل قولهم * ( واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ) * لو أنهم فعلوا ذلك لكان قولهم هذا خيرا لهم وأعدل من أقوالهم السابقة الباطلة التي حكاها القرآن عنهم . ولكنهم لسوء طباعهم لم يفعلوا ذلك فحقت عليهم اللعنة في الدنيا والآخرة وقد صرح القرآن بذلك فقال : * ( ولكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) * . أي : ولكنهم لم يقولوا ما هو خير لهم وأقوم بل قالوا ما هو شر وباطل ، فاستحقوا اللعنة من اللَّه بسبب كفرهم وسوء أفعالهم : ولفظ * ( قَلِيلًا ) * في قوله * ( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) * منصوب على الاستثناء من قوله * ( لَعَنَهُمُ ) * أي : ولكن لعنهم اللَّه إلا فريقا منهم آمنوا فلم يلعنوا : أو منصوب على الوصفية لمصدر محذوف أي : ولكن لعنهم اللَّه بكفرهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أي ضعيفا ركيكا لا يعبأ به ، ولا يغنى عنهم من عذاب اللَّه شيئا لأنه إيمان غير صحيح بسبب تفريقهم بين رسل اللَّه في التصديق والطاعة . قال - تعالى - إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّه ورُسُلِه ويُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّه ورُسُلِه ، ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ، ويُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا . أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً . ثم وجه - سبحانه - نداء إلى اليهود أمرهم فيه باتباع طريق الحق ، وأنذرهم بسوء المصير إذا لم يستمعوا إلى هذا النداء فقال - تعالى - : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ، أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أَمْرُ اللَّه مَفْعُولًا ) * . أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كلم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود . منهم عبد اللَّه بن صوريا ، وكعب بن أسد فقال لهم : يا معشر يهود : اتقوا اللَّه وأسلموا . فو اللَّه انكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق . فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد ، وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر . فأنزل اللَّه فيهم : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ) * . الآية « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 124 .