تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
فيكون المعنى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً ) * أي نمحو تخطيط صورها من عين وأنف وفم وحاجب * ( فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ) * أي فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء بحيث تكون الوجوه مطموسة مثل الأقفاء . وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة وغيرهما . قال الإمام الرازي : وهذا المعنى إنما جعله اللَّه عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة . . . . » « 1 » . ومن المفسرين الذين رجحوا حمل اللفظ على حقيقته الإمام ابن جرير لقد قال : « وأولى الأقوال في ذلك بالصواب » قول من قال : معنى قوله * ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً ) * من قبل أن نطمس أبصارها ، ونمحو آثارها ، فنسويها كالأقفاء . فنردها على أدبارها ، فنجعل أبصارها في أدبارها ، يعنى بذلك : فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه . فيكون معناه : فنحول الوجوه أقفاء ، والأقفاء وجوها ، فيمشوا القهقرى ، كما قال ابن عباس ومن قال بذلك » « 2 » . وأصحاب هذا الاتجاه منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون في آخر الزمان ومنهم من يرى هذه العقوبة تكون في الآخرة . ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة بعدم إيمان أحد منهم ، وقد آمن بعضهم كعبد اللَّه بن سلام وغيره وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه حمل اللفظ على مجازه ، بمعنى أن المراد بالطمس الطمس المعنوي . فيكون المعنى : آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن تقسو قلوبكم ، ونطبع عليها بسبب تمسكها بالضلال ، وتماديها في العناد . قال ابن كثير مؤيدا هذا الاتجاه : هذا مثل ضربه اللَّه لهم في صرفهم عن الحق وردهم ، إلى الباطل ، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلال يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم . وهذا كما قال بعضهم في قوله - تعالى - وجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا أي هذا مثل سوء ضربه اللَّه لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى . قال مجاهد : من قبل أن نطمس وجوها أي عن صراط الحق : فنردها على أدبارها أي في الضلال . وقال السدى : معناه : فنعميها عن الحق ونرجعها كفارا . . . « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 121 طبعة عبد الرحمن محمد . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 123 طبعة الحلبي . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 508 .