وكلمة * ( راعِنا ) * كلمة ذات وجهين - أيضا - فهي محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا وأمهلنا أو انتظرنا نكلمك . ومحتملة للشر بحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها . أو على السب بالرعونة أي الحمق .
قال الراغب : قوله : - تعالى - * ( وراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وطَعْناً فِي الدِّينِ ) * كان ذلك قولا يقولونه للنبي صلى اللَّه عليه وسلم على سبيل التهكم يقصدون به رميه بالرعونة ، ويوهمون أنهم يقولون : راعنا أي : أحفظنا . من قولهم : رعن الرجل يرعن رعنا فهو رعن » « 1 » أي أحمق .
وأصل كلمة * ( لَيًّا ) * لويا لأنه من لويت ، فأدغمت الواو في الياء لسبقها بالسكون . واللى :
الانحراف والالتفات والانعطاف .
والمراد أنهم كانوا يلوون ألسنتهم بالكلمة أو بالكلام ليكون اللفظ في السمع مشبها لفظا آخر هم يريدونه لأنه يدل على معنى ذميم .
أي أنهم كانوا يقولون للنبي صلى اللَّه عليه وسلم على سبيل التهكم والاستهزاء * ( راعِنا ) * ويقصدون بهذا القول الإساءة إليه صلى اللَّه عليه وسلم وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها نطقا ملتويا منحرفا ليصرفوها عن جانب احتمالها للخير إلى جانب احتمالها للشر . ولذا فقد نهى اللَّه - تعالى - المؤمنين عن مخاطبة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بمثل هذه الألفاظ .
قال ابن كثير : عند تفسيره لقوله - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا : نهى اللَّه عباده المؤمنين عن أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم . وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم لعائن اللَّه - : فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا : يقولون راعنا ، ويورون بالرعونه : وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون . السام عليكم . والسام هو الموت . ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بوعليكم . وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا . والغرض أن اللَّه - تعالى - نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا » « 2 » .
وقوله * ( وطَعْناً فِي الدِّينِ ) * أي يقولون ذلك من أجل القدح في الدين والاستهزاء بتعاليمه ، وبنبيه صلى اللَّه عليه وسلم .
ثم بين - سبحانه - ما كان بحب عليهم أن يقولوه لو كانوا يعقلون فقال : تعالى - * ( ولَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وأَطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وأَقْوَمَ ) *
هامش
( 1 ) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 198
( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 148 .