روى ابن جرير عن الليث قال : حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن قول اللَّه - تعالى - :
* ( ولا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) * أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء . ولا يجدون ممرا إلا في المسجد . فأنزل اللَّه - تعالى - * ( ولا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) * « 1 » .
وقال بعض العلماء : وبالجملة فالحال الأولى أعنى قوله * ( وأَنْتُمْ سُكارى ) * تقوى بقاء الصلاة على معناها الحقيقي ، من دون تقدير مضاف : وقوله : * ( إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) * يقوى تقدير المضاف . أي : لا تقربوا موضع الصلاة .
ويمكن أن يقال : إن بعض قيود النهى - وهو قوله : * ( وأَنْتُمْ سُكارى ) * يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي .
وبعض قيود النهى - وهو قوله : إلا عابري سبيل - يدل على أن المراد مواضع الصلاة .
ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه . ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد . وهما : لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى .
ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب .
وغاية ما يقال في هذا إنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز » « 2 » .
وفي ندائهم بصفة الإيمان ، تحريك لحرارة العقيدة في قلوبهم ، وتوجيه لنفوسهم إلى ما يستدعيه الإيمان من طاعة واستجابة للَّه رب العالمين .
وقوله * ( وأَنْتُمْ سُكارى ) * جملة حالية . أي لا تقربوها في حال السكر ، لأن ذلك يتنافى مع الإيمان السليم ، ومع ما تستحقه الصلاة من خشوع واستحضار للقلب . وإنما الذي يقتضيه إيمانكم وحياؤكم من اللَّه أن تدخلوا في الصلاة وأنتم بكامل وعيكم ، واستحضاركم لما يستلزمها من خشوع وأدب .
ولا شك أن هذا كان قبل أن ينزل التحريم القاطع لشرب الخمر في جميع الأوقات كما سبق أن أشرنا .
وقوله * ( حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) * غاية للنهي وإيماء إلى علته .
وحتى هنا حرف جر بمعنى إلى ، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة . وما في قوله * ( ما تَقُولُونَ ) * موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أي تقولونه .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 99 .
( 2 ) تفسير القاسمي ج 5 ص 1247 نقلا عن : فتح البيان .