ويعطى المحسن من ألوان الخير ما لا يعلمه إلا هو - سبحانه - ونبهت الكافرين إلى سوء مصيرهم حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسيروا في الطريق القويم من قبل أن يأتي يوم تنكشف فيه الحقائق وينالون فيه ما يستحقون من عقاب دون أن ينفعهم الندم أو التمني .
ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الأحكام التي تتعلق بالصلاة وأرشدهم إلى ما يجب عليهم عند أدائها من تطهير بدني وروحي حتى يكونوا أهلا لرضا اللَّه وحسن قبوله ، فقال - تعالى - :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 43 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّه كانَ عَفُوًّا غَفُوراً ( 43 )
روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه أبو داود والنسائي عن علي بن أبي طالب أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر ، قد شربوا الخمر . فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ : قل يا أيها الكافرون . فخلط فيها . فنزلت : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى ) * .
وروى الترمذي وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر . فأخذت الخمر منا . وحضرت الصلاة . فقدموا فلانا . قال :
فقرأ : قل يا أيها الكافرون . أعبد ما تعبدون . ونحن نعبد ما تعبدون . فأنزل اللَّه الآية .
قال ابن كثير : وقد كان هذا النهى قبل تحريم الخمر . كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله - تعالى - يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ . الآية « فإن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم تلاها على عمر . فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة - وفي رواية لأبى داود : فكان منادى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذا قامت الصلاة ينادى : لا يقربن الصلاة
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 156
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٥٦