هذه الحال في باطنها بدون بعث أو نشور ، حتى لا يصيبهم ما أعد لهم من عقاب بسبب سوء أعمالهم .
والمقصود أنهم لشدة خوفهم وفزعهم يتمنون أن لو أخفتهم الأرض في باطنها بحيث لا يظهر شيء منهم عليها في أي وقت من الأوقات .
وجملة * ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ ) * مفعول * ( يَوَدُّ ) * على أن لو مصدرية . أي : يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض متلبسة بهم حتى لكأنهم جزء منها .
وقوله * ( ولا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثاً ) * معطوف على * ( يَوَدُّ ) * أي أنهم يومئذ يودون لو تسوى بهم الأرض ، ويعترفون للَّه تعالى بجميع ما فعلوه ، لأنهم لو كتموا شيئا بألسنتهم لشهدت عليهم بقية جوارحهم .
ويصح أن تكون الواو في قوله * ( ولا يَكْتُمُونَ ) * للحال . أي : أنهم يومئذ يودون لو تسوى بهم الأرض والحال أنهم مع ذلك لا يكتمون عن اللَّه - تعالى - حديثا من أحوالهم في الدنيا لأنهم لا يستطيعون هذا الكتمان .
والمقصود أنهم مع شدة هلعهم وجزعهم لن يستطيعوا أن يفلتوا من عقاب اللَّه ، ولن يستطيعوا أن يكتموا شيئا مما ارتكبوه من جرائم .
أخرج ابن جرير عن الضحاك أن نافع بن الأزرق - وكان ممن يسألون عن متشابه القرآن - أتى إلى ابن عباس فقال : يا ابن عباس : قال اللَّه - تعالى - * ( ولا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثاً ) * وقوله واللَّه رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ - كيف الجمع بينهما - ؟ فقال له ابن عباس . إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت : ألقى على ابن عباس متشابه القرآن . فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن اللَّه - تعالى - يجمع الناس يوم القيامة في بقيع واحد . فيقول المشركون : إن اللَّه لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده . فيقولون : تعالوا نجحد فيسألهم فيقولون : واللَّه ربنا ما كنا مشركين .
قال : فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين .
فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون اللَّه حديثا » « 1 » .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت بإخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده كما أمرت بالإحسان إلى الوالدين والأقربين ، واليتامى والمساكين وإلى الجار القريب والبعيد ، وإلى الصاحب والمسافر والمملوك ، ونهت عن البخل والرياء وجحود الحق واتباع الشيطان .
وبينت أن اللَّه - تعالى - لا يظلم أحدا مثقال ذرة وأنه - سبحانه - يضاعف ثواب الحسنات ،
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 94 .