وقوله : * ( مُسافِحِينَ ) * من السفاح بمعنى الزنا والمسافح : هو الزاني . ولفظ السفاح مأخوذ من السفح وهو صب الماء وسيلانه . وسمى به الزنا لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط دون نظر إلى الأهداف الشريفة التي شرعها اللَّه وراء النكاح .
وقوله * ( أَنْ تَبْتَغُوا ) * في محل نصب بنزع الخافض على أنه مفعول له لما دل عليه الكلام و * ( مُحْصِنِينَ ) * و * ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) * حالان من فاعل * ( تَبْتَغُوا ) * .
والمعنى : بين لكم - سبحانه - ما حرم عليكم من النساء ، وأحل لكم ما وراء ذلكم ، من أجل أن تطلبوا الزواج من النساء اللائي أحلهن اللَّه لكم أشد الطلب ، عن طريق ما تقدمونه لهن من أموالكم كمهور ، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور والزنا .
قال بعضهم : وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل منهم المرأة قال : انكحينى . فإذا أراد الزنا قال : سافحينى . والمسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح .
قال الآلوسي : وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لا بد وأن يكون مالا وبه قال الأحناف . وقال بعض الشافعية : لا حجة في ذلك ، لأن تخصيص المال لكونه الأغلب المتعارف ، فيجوز النكاح على ما ليس بمال . ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد « أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سأل رجلا خطب الواهبة نفسها للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ماذا معك من القرآن ؟
قال : معي سورة كذا وكذا وعددهن . قال : تقرؤهن على ظهر قلبك ؟ قال : نعم قال : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن « .
ووجه التأييد أنه لو كان في الآية حجة لما خالفها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلا ، والتعليم ليس له ذكر في الخبر ، فيجوز أن يكون مراده صلى اللَّه عليه وسلم : زوجتك تعظيما للقرآن ولأجل ما معك منه » « 1 » .
ثم قال - تعالى - : * ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِه مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) * .
والاستمتاع : طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة .
والمراد بقوله * ( أُجُورَهُنَّ ) * أي مهورهن لأنها في مقابلة الاستمتاع فسميت أجرا .
وما : في قوله * ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِه مِنْهُنَّ ) * واقعة على الاستمتاع . والعائد في الخبر محذوف أي فآتوهن أجورهن عليه .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 5 .