تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
هذا ، وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء ، عقب ذلك بإيراد جملة كريمة بين فيها ما يحل نكاحه من النساء فقال - تعالى - : * ( وأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) * . و * ( ما ) * هنا المراد بها عموم النساء . وكلمة * ( وَراءَ ) * هنا بمعنى غير أو دون كما في قول بعضهم : ( وليس وراء اللَّه للمرء مذهب ) . واسم الإشارة * ( ذلِكُمْ ) * يعود إلى ما تقدم من المحرمات . والجملة الكريمة معطوفة على قوله « حرمت عليكم أمهاتكم » إلخ . ومن قرأ * ( أُحِلَّ لَكُمْ . . . ) * ببناء الفعل للفاعل جعلها معطوفة على كتب المقدر في قوله * ( كِتابَ اللَّه عَلَيْكُمْ . . . ) * . والمعنى : حرمت عليكم هؤلاء المذكورات ، وأحل لكم نكاح ما سواهن من النساء . قال القرطبي : قوله - تعالى * ( وأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) * قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص * ( وأُحِلَّ لَكُمْ ) * ردا على * ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ) * وقرأ الباقون بالفتح ردا على قوله - تعالى - * ( كِتابَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * . وهذا يقتضى ألا يحرم من النساء إلا من ذكر ، وليس كذلك فإن اللَّه - تعالى - قد حرم على لسان نبيه صلى اللَّه عليه وسلم من لم يذكر في الآية فيضم إليها . قال - تعالى - : وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وما نَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا . روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها » . وقد قيل : إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها لأن اللَّه - تعالى - حرم الجمع بين الأختين ، والجمع بين المرأة وعمتها - أو خالتها - في معنى الجمع بين الأختين أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد والصحيح الأول : لأن الكتاب والسنة كالشىء الواحد فكأنه قال : « أحللت لكم ما وراء من ذكرنا في الكتاب وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد صلى اللَّه عليه وسلم » « 1 » . ثم رفع - سبحانه - من شأن المرأة وكرمها بأن جعل إيتاءها المهر شرطا لاستحلال نكاحها إعزازا لها فقال - تعالى - * ( أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ) * . وقوله : * ( تَبْتَغُوا ) * من الابتغاء بمعنى الطلب الشديد . وقوله : * ( مُحْصِنِينَ ) * من الإحصان وهو هنا بمعنى العفة وتحصين النفس ومنعها عن الوقوع فيما يغضب اللَّه - تعالى - .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 124 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 111 | سيد محمد طنطاوي