أي : وحرم اللَّه - تعالى - عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين هم من أصلابكم . أي : من ظهوركم .
وقال - سبحانه - * ( وحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ ) * بدون تقييد بالدخول . للإشارة إلى أن حليلة الابن تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها .
قال القرطبي : أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء . وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء أكان مع العقد وطء أم لم يكن : لقوله - تعالى - : * ( ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ) * وقوله - تعالى - : * ( وحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ) * . وقيد اللَّه الأبناء بالذين هم من الأصلاب ، ليخرج الابن المتبنى . فهذا تحل زوجته للرجل الذي تبناه .
وقد كان العرب يعتبرون الابن بالتبني كأولادهم من ظهورهم ، ويحرمون زوجة الابن بالتبني على من تبناه . وقد سمى القرآن الأبناء بالتبني أدعياء فقال - تعالى - :
وما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ، ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ واللَّه يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّه ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ ومَوالِيكُمْ .
ثم أبطل القرآن ما كان عليه أهل الجاهلية في شأن الابن المتبنى ، فأباح للرجل أن يتزوج من زوجة الابن الذي تبناه بعد فراقه عنها .
وقد أمر اللَّه - تعالى - نبيه - صلى اللَّه عليه وسلم - أن يتزوج بزينب بنت جحش بعد أن طلقها زوجها زيد بن حارثة ، وكان زيد قد تبناه النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال المشركون : تزوج محمد امرأة ابنه فأنزل اللَّه - تعالى - فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وكانَ أَمْرُ اللَّه مَفْعُولًا .
فإن قيل : إن قيد « من أصلابكم » . يخرج الابن من الرضاع كما أخرج الابن بالتبني ؟
فالجواب على ذلك : أن الابن بالرضاع حرمت حليلته على أبيه من الرضاع بقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم :
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب « .
ثم بين - سبحانه - نوعا سادسا من المحرمات فقال - تعالى - : * ( وأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّه كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) * .
قال ابن كثير والمعنى : وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه . فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل لأنه استثنى مما سلف وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح . ومن أسلم وتحته أختان خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة ، فقد روى
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 107
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٠٧