تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
والأخت من الرضاع : هي التي التقيت أنت وهي على ثدي واحد . قال القرطبي : وهي الأخت لأب وأم . وهي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك ، سواء أرضعتها معك أو رضعت قبلك أو بعدك والأخت من الأب دون الأم ، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك . والأخت من الأم دون الأب وهي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر » « 1 » . هذا ، وظاهر قوله - تعالى - * ( وأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ) * يقتضى أن مطلق الرضاع محرم للنكاح . وبذلك قال المالكية والأحناف : ويرى الشافعية والحنابلة أن الرضاع المحرم هو الذي يبلغ خمس رضعات . واستدلوا بما رواه مسلم وغيره عن عائشة - رضى اللَّه عنها - أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا تحرم المصة ولا المصتان » وفي رواية عنها أنه قال : « لا تحرم الرضعة والرضعتان ، والمصة والمصتان » « 2 » . كذلك ظاهر هذه الجملة الكريمة يقتضى أن الرضاع يحرم النكاح ولو في سن الكبر ، إلا أن جمهور العلماء يرون أن الرضاع المحرم هو ما كان قبل بلوغ الحولين أما ما كان بعد بلوغ الحولين فلا يحرم ولا يكون الرضيع ابنا من الرضاعة وذلك لقوله - تعالى - والْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ . وأخرج الترمذي عن أم سلمة قالت : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء ، وكان قبل الفطام » . قال ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - * ( وأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ) * . أي : كما يحرم عليك نكاح أمك التي ولدتك كذلك يحرم عليك نكاح أمك التي أرضعتك . ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة » وفي لفظ لمسلم : « يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب » « 3 » . ومن الحكم التي ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة : أن المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التي أرضعته فيكون جزءا منها ، كما أنه جزء من أمه التي حملته . وإذا كانت هذه قد غذته بدمها وهو في بطنها فإن تلك قد غذته بلبانها وهو في حجرها ، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع أن تعامل معاملة الأم الحقيقية ، وأن يعامل كل من التقيا على ثدي امرأة واحدة معاملة الإخوة من حيث التكريم وحرمة النكاح بينهم .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 111 . ( 2 ، 3 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 469 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 104 | سيد محمد طنطاوي