بل من العناصر الأربعة ، لكن نسب نفسه إلى النّار للأغلبيّة ، لأنّ جزء النار أغلب في الجنّ الَّذين منهم الشيطان من أجزاء أخر ، فحينئذ يكون المراد بالتّراب الأرض وما عليها من المركّبات في خلق آدم ، وبالنّسبة إلى الماء الحقيقي يكون العلوم الظاهرة الحاصلة من الحسّ بمعاونة الفكر .
وإذا تقرّر هذا فكلّ علم يكون منبعه ومنشأه الحواسّ الظاهرة والباطنة كالعلوم الكسبيّة المذكورة ، نسبته إلى التّراب أولى وأنسب ، وكل علم يكون منبعه ومنشأه الكشف والفيض من العلوم الإلهيّة والمعارف الرّبانيّة المعبّر عنها بالوحي والإلهام واللدنّي وغير ذلك ، نسبته إلى الماء أولى وأنسب ، وإليهما أشار الحقّ تعالى في قوله :
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 66 ] .
وقد سبق : أنّ المراد بهذا الفوق : العالم الروحاني والعلوم النازلة منه ، وبالتّحت : العلوم الجسماني والعلوم الحاصلة منه ، لأنّ قول المفسّرين في هذا المقام ليس على الأصل الصّحيح ، لأنّهم قالوا : المراد بأكل الفوق :
المطر ، وبأكل التحت النبات ، وليس هذا بصحيح لأنّ المطر والنّبات يحصل ( يحصلان ) لمن يقوم بالتوراة والإنجيل والقرآن ولغيره من الإنسان والحيوان اللَّذين ليس لهم هذا القيام ، والحال أنّ حصول هذين الأكلين موقوف على قيام التوراة والإنجيل والفرقان ، ووجود المشروط بدون الشرط مستحيل ممتنع ، وهذا لا يخفى على اللَّبيب الفطن .
فأهل الطريقة إذا لم يكن لهم تمكّن من طهارة الباطن بماء العلوم الحقيقيّة لمانع من الموانع يجوز لهم التوجّه إلى العلوم الظاهرة المذكورة
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 51
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٥١