تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
فإن قلت : ما أتاني من رجل ، كان نفيا لذلك كله ، قال : هذا معنى كلامه . والحاصل أن " من " في سياق النفي تعم وتستغرق . ويلتحق بالنفي الاستفهام ، كقوله تعالى : * ( هل ترى من فطور ) * . وجوز الأخفش زيادتها في الإثبات ، كقوله : * ( يغفر لكم من ذنوبكم ) * ، والمراد الجميع ، بدليل : * ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ) * ، فوجب حمل الأول على الزيادة دفعا للتعارض . وقد نوزع في ذلك ، بأنه إنما يقع التعارض لو كانتا في حق قبيل واحد ، وليس كذلك ، فإن الآية التي فيها " من " لقوم نوح ، والأخرى لهذه الأمة . فإن قيل : فإذا غفر للبعض كان البعض الآخر معاقبا عليه ، فلا يحصل كمال الترغيب في الإيمان ، إلا بغفران الجميع . وأيضا : فكيف يحسن التبعيض فيها ، مع أن الإسلام يجب ما قبله ، فيصح قول الأخفش ، فالجواب من وجوه : أحدها : أن المراد بغفران بعض الذنوب في الدنيا ، لأن إغراق قوم نوح عذاب لهم ، وذلك إنما كان في الدنيا مضافا إلى عذاب الآخرة ، فلو آمنوا لغفر لهم من الذنوب ما استحقوا به الإغراق في الدنيا ، وأما غفران الذنب بالإيمان في الآخرة فمعلوم . والثاني : أن الكافر إذا آمن فقد بقي عليه ذنوب وهي مظالم العباد ، فثبت التبعيض بالنسبة للكافر . الثالث : أن قوله : * ( ذنوبكم ) * يشمل الماضية والمستقبلة ، فإن الإضافة تفيد
البرهان — صفحة 423 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم