تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وزعم ابن جنى في كتاب ( الخصائص ) أنه لا يجوز فعل المطاوعة إلا بالفاء . وأجاب عن قوله تعالى : * ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ) * بأن " أغفل " في الآية بمعنى وجدناه غافلا ، لا جعلناه يغفل ، وإلا لقيل : " فاتبع هواه " بالفاء ; لأنه يكون مطاوعا . وفى كلامه نظر ; لأنا نقول : ليس اتباع الهوى مطاوعا ل‍ " أغفلنا " بل المطاوع ل‍ " أغفلنا " ، غفل . فإن قيل : إنه من لازم الغفلة اتباع الهوى ، والمسبب عن السبب سبب قيل : لا نسلم أن اتباع الهوى مسبب عن الغفلة ، بل قد يغفل عن الذكر ولا يتبع الهوى ، ويكون المانع له منه غفلة أخرى عنه . واعلم أن الحامل لأبي الفتح على هذا الكلام اعتقاده الاعتزالي إذا أن معصية العبد لا تنسب إلى الله تعالى ; وأنها مسببة له ، فلهذا جعل " أفعل " هنا بمعنى " وجد " لا بمعنى التعدية خاصة . وقد بينا ضعف كلامه ، وأن المطاوع لا يجب عطفه بالفاء . وقال الزمخشري في قوله تعالى : * ( ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله ) * : هذا موضع الفاء ، كما يقال : أعطيته فشكر ، ومنعته فصبر ; وإنما عطف بالواو للإشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما [ إيتاء ] العلم ، [ فأضمر ذلك ثم عطف عليه بالتحميد ] كأنه قال : فعملا به وعلماه ، وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة ، وقالا الحمد لله . وقال السكاكي : يحتمل عندي أنه تعالى أخبر عما صنع بهما ، وعما قالا ; كأنه قال : نحن فعلنا إيتاء العلم ، وهما فعلا الحمد ، من غير بيان ترتبه عليه اعتمادا على فهم السامع ، كقولك : " قم يدعوك " بدل " قم فإنه يدعوك " .
البرهان — صفحة 142 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم