تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
يريد : " خلقناهما " لأن مريم لم تخلق في حين خلق ولدها ; بل كانت موجودة قبله ، ومحال تعلق القدرة بجعل الموجود موجودا في حال بقائه . فأما قوله تعالى : * ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) * ; فهو من هذا الباب على جهة الاتساع ، أي صيرناه يقرأ بلسان عربي ، لأن غير القرآن ما هو عبري وسرياني ; ولأن معاني القرآن في الكتب السالفة ، بدليل قوله تعالى : * ( وإنه لفي زبر الأولين ) * ، * ( إن هذا لفي الصحف الأولى ) * . وبهذا احتج من أجاز القراءة بالفارسية ، قال : لأنه ليس في زبر الأولين من القرآن إلا المعنى ، والفارسية تؤدى المعنى . وإذا عرف هذا ، فكأنه نقل المعنى من لفظ القرآن فصيره عربيا . وأخطأ الزمخشري حيث جعله بالخلق ; وهو مردود صناعة ومعنى . أما الصناعة ، فلأنه يتعدى لمفعولين ، ولو كان بمعنى الخلق لم يتعد إلا إلى واحد ، وتعديته لمفعولين - وإن احتمل هذا المعنى - لكن بجواز إرادة التسمية أو التصيير على ما سبق . وأما المعنى فلو كان بمعنى " خلقنا التلاوة العربية " فباطل ; لأنه ليس الخلاف في حدوث ما يقوم بألسنتنا ; وإنما الخلاف في أن كلام الله الذي هو أمره ونهيه وخبره ; فعندنا أنه صفة من صفات ذاته ، وهو قديم . وقالت القدرية : إنه صفة فعل أوجده بعد عدمه ، وأحدثه لنفسه ، فصار عند حدوثه متكلما بعد أن لم يكن ، فظهر أن الآية على تأويله ليس فيها تضمن لعقيدته الباطلة . وقال الآمدي في ( أبكار الأفكار ) : الجعل فيه بمعنى التسوية ، كقوله تعالى : * ( الذين جعلوا القرآن عضين ) * ، أي يسمونه كذبا .