تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
أحدها : بمعنى " سمى " كقوله تعالى : * ( الذين جعلوا القرآن عضين ) * ، أي سموه كذبا ، وقوله : * ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) * على قول ويشهد له قوله تعالى : * ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ) * الثاني : بمعنى المقاربة ، مثل كاد وطفق ، لكنها تفيد ملابسة الفعل والشروع فيه ، تقول : جعل يقول ، وجعل يفعل كذا ; إذا شرع فيه . الثالث : بمعنى الخلق والاختراع ، فتعدى لواحد ، كقوله تعالى : * ( وجعل الظلمات والنور ) * ، أي خلقهما . فإن قيل : ما الفرق بين الجعل والخلق ؟ قيل : إن الخلق فيه معنى التقدير ، وفى الجعل معنى التصيير ، كإنشاء شئ من شئ ، أو تصيير شئ شيئا . أو نقله من مكان ، ويتعدى لمفعول واحد ; لأنه لا يتعلق إلا من واحد ، وهو المخلوق . وأيضا ، فالخلق يكون عن عدم سابق ; حيث لا يتقدم مادة لا سبب محسوس ، والجعل يتوقف على موجود مغاير للمجعول ، يكون منه المجعول أو عنه ، كالمادة والسبب . ولا يرد في القرآن العظيم لفظ " جعل " في الأكثر مرادا به الخلق ; إلا حيث يكون قبله ما يكون عنه أو منه ، أو شيئا فيه محسوسا عنه ، يكون ذلك المخلوق الثاني ، بخلاف " خلق " فإن العبارة تقع كثيرا به عما لم يتقدم وجوده وجود مغاير ، يكون عنه هذا الثاني ، قال الله تعالى : * ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور * ) وإنما الظلمات والنور عن أجرام توجد بوجودها ، وتعدم بعدمها . وقال تعالى : * ( وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي ) * .
البرهان — صفحة 129 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم