تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وأما قوله تعالى : ( نذيرا للبشر ) ، فإن كان " نذيرا " بمعنى المنذر ، فهو مثل : ( فعال لما يريد ) ، وإن كان بمعنى الإنذار ، فاللام مثلها في : " سقيا لزيد " . وقد تجئ اللام للتوكيد بعد النفي ، وتسمى لام الجحود ، وتقع بعد " كان " مثل : ( وما كان الله ليعذبهم ) ، وهذه اللام لتأكيد النفي ، كالباء الداخلة في خبر " ليس " ، ومعنى قوله : " إنها للتأكيد " أنك إذا قلت : " ما كنت أضربك " ، بغير لام ، جاز أن يكون الضرب مما يجوز كونه ، فإذا قلت : " ما كنت لأضربك " ، فاللام جعلت بمنزلة مالا يكون أصلا . * * * وقد تأتي مؤكدة في موضع ، وتحذف في آخر لاقتضاء المقام ذلك . ومن أمثلته قوله تعالى : ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون . ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) ، فإنه سبحانه أكد إثبات الموت الذي لا ريب فيه تأكيدين ، وأكد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا ، وكان المتبادر العكس ، لأن التأكيد إنما يكون حيث الانكار ، لكن في النظم وجوه : أحدها : أن البعث لما قامت البراهين القطعية عليه صار المنكر له كالمنكر للبديهيات ، فلم يحتج إلى تأكيد ، وأما الموت فإنه - وإن أقروا به - لكن لما لم يعلموا ما بعده نزلوا منزلة من لم يقر به فاحتاج إلى تأكيد ذلك ، لأنه ثم قد ينزل المنكر كغير المنكر إذا كان معه ما لو تأمله ارتدع من الانكار . ولما ظهر على المخاطبين من التمادي في الغفلة والإعراض عن العمل