تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
ولذلك كان اتصال قوله : ( وإذا مس الانسان ضر دعا ربه ) للسبب الواقع فيها ، وخلو الأول ، منه من الأمر اشتراك جملة مع جملة ، ومناسبة أوجبت العطف بالواو الموضوعة لمطلق الجمع ، كقولهم : قام زيد وعمرو . وتسبيب السبب مع ما في ظاهر الآية من اشمئزازهم ليس يقتضى التجاءهم إلى الله تعالى ، وإنما يقتضى إعراضهم عنه من جهة أن سياق الآية يقتضى إثبات التناقض ، وذلك أنك تقول : زيد يؤمن بالله تعالى ، فإذا مسه الضر لجأ إليه فهذا سبب ظاهر مبنى على اطراد الأمر ، وتقول : زيد كافر بالله ، فإذا مسه ضر لجأ إليه ، فتجئ بالفاء هنا كالأول لغرض التزام التناقض ، أو العكس ، حيث أنزل الكافر كفره منزلة الإيمان في فصل سبب الالتجاء ، فأنت تلزمه العكس ، بأنك إنما تقصد بهذا الكلام الانكار والتعجب من فعله . وقوله : ( وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ) بقوله : ( الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل . له مقاليد السماوات والأرض ) اعتراض واقع في أثناء كلام متصل ، وهو قوله : ( وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ) ، ( والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ) ، وهو على مهيع أسلوب القرآن ، من ذكر الضد عقب الضد ، كما قيل : * وبضدها تتبين الأشياء * ومنها الإدلاء بالحجة ، كقوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر ) ، فاعترض بقوله : ( فاسألوا ) بين قوله : ( نوحي إليهم ) وبين قوله : ( بالبينات والزبر ) إظهار لقوة الحجة عليهم .