تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
فقال : " تثير " مضارعا ، وما قبله وما بعده ماضيا ، مبالغة في تحقيق إثارة الرياح السحاب للسامعين وتقدير تصوره في أذهانهم . فإن قيل : أهم الأفعال المذكورة في الآية إحياء الموتى ، وقد ذكر بلفظ الماضي ، وما ذكرته يقتضي أولوية ذكره بلفظ المضارع ، إذ هو أهم ، وإثارة السحاب سبب أعيد على قريب . قيل : لا نسلم بأهمية إحياء الأرض بعد موتها ، فالمقدمات المذكورة أهمها وأدلها على القدرة أعجبها وأبعدها عن قدرة البشر ، وإثارة السحاب أعجبها ، فكان أولى بالتخصيص بالمضارع ، وإنما قال : إن إثارة السحاب أعجب لأن سببها أخفى ، من حيث إنا نعلم بالفعل أن نزول الماء سبب في اخضرار الأرض ، وإثارة السحاب وسوقه سبب نزول الماء . فلو خلينا وظاهر العقل لم نقل : إن الرياح سببها ، لعدم إحساسنا بمادة السحاب وجهته . ومن لواحق ذلك العدول عن المستقبل إلى اسم المفعول ، لتضمنه معنى الماضي ، كقوله : ( يوم مجموع له الناس ) ، تقريرا للجمع فيه ، وأنه لا بد أن يكون معادا للناس ، مضروبا لجميعهم ، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله : ( يوم يجمعكم ليوم الجمع ) لتعرف صحة هذا المعنى . فإن قلت : الماضي أدل على المقصود من اسم المفعول ، فلم عدل عنه إلى ما دلالته أضعف ؟ قلت : لتحصل المناسبة بين " مجموع " و " مشهور " في استواء شأنهما طلبا للتعديل في العبارة . ومنه العدول عن المستقبل إلى اسم الفاعل ، كقوله تعالى : ( وإن الدين لواقع ) ، فإن اسم الفاعل ليس حقيقة في الاستقبال ، بل في الحال .