تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
لا إلى الماء نفسه ، نحو نزلت بعين ، فصار كقوله : مكانا يشرب به . وعلى هذا : ( فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) ، قاله الراغب . وهذا بخلاف المجاز ، فإن فيه العدول عن مسماه بالكلية ، ويراد به غيره ، كقوله : ( جدارا يريد أن ينقض ) ، فإنه استعمل " أراد " في معنى مقاربة السقوط ، لأنه من لوازم الإرادة ، وإن من أراد شيئا فقد قارب فعله ، ولم يرد باللفظ هذا المعنى الحقيقي الذي هو الإرادة البتة . والتضمين أيضا مجاز ، لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معا ، والجمع بينهما مجاز خاص يسمونه بالتضمين ، تفرقه بينه وبين المجاز المطلق . ومن التضمين قوله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) ، لأنه لا يقال : رفثت إلى المرأة ، لكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك . وهكذا قوله : ( هل لك إلى أن تزكى ) ، وإنما يقال : هل لك في كذا ؟ لكن المعنى أدعوك إلى أن تزكى . وقوله : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) ، فجاء ب‍ " عن " ، لأنه ضمن التوبة معنى العفو والصفح . وقوله : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم ) ، وإنما يقال : خلوت به ، لكن ضمن " خلوا " معنى " ذهبوا " " وانصرفوا " ، وهو معادل لقوله : ( لقوا ) ، وهذا أولى من قول من قال : إن " إلى " هنا بمعنى الباء ، أو بمعنى " مع " . وقال مكي : إنما لم تأت الباء ، لأنه يقال : خلوت به إذا سخرت منه ، فأتى ب‍ " إلى " لدفع هذا الوهم .