تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
وأما قوله : ( فإنه يعلم السر وأخفى ) ، أي من السر ، فعن ابن عباس وغيره : السر : ما أسررت في نفسك ، وأخفى منه ما لم تحدث به نفسك ، مما يكون في عد علم الله فيهما سواء ، ولا شك أن الآتي أبلغ ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه أفعل تفضيل يستدعي مفضلا عليه ، علم حتى يتحقق في نفسه ، فيكون حينئذ تقديم السر من النوع الأول . وثانيهما : مراعاة رؤوس الآي . ومنها شرف الإدراك ، كتقديم السمع على البصر ، والسميع على البصير ، لأن السمع أشرف على أرجح القولين عند جماعة ، وقدم القلب عليهما في قوله تعالى : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) ، لأن الحواس خدمة القلب ، وموصلة إليه ، وهو المقصود ، وأما قوله : ( وختم على سمعه وقلبه ) ، فأخر القلب فيها ، لأن العناية هناك بذم المتصامين عن السماع ، ومنهم الذين كانوا يجعلون القطن في آذانهم حتى لا يسمعوا ، ولهذا صدرت السورة بذكرهم في قوله : ( ويل لكل أفاك أثيم . يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ) . ومنها شرف المجازاة ، كقوله : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة ) . ومنها شرف العموم ، فإن العام أشرف من الخاص ، كتقديم العفو على الغفور ، أي عفو عما لم يؤاخذنا به مما نستحقه بذنوبنا ، غفور لما واخذنا به في الدنيا ، قبلنا ورجعنا إليه ، فتقدم العفو على الغفور ، لأنه أعم ، وأخرت المغفرة لأنها أخص .