تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
الجبال أكنانا ) ، وقوله في صدر السورة : ( والأنعام خلقها لكم فيها دف ء ) . فإن قيل : فما الحكمة في ذكر الوقايتين بعد قوله : ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) فإن هذه وقاية الحر ، ثم قال : ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) ، فهذه وقاية البرد على عادة العرب ؟ قيل : لأن ما تقدم بالنسبة إلى المساكن ، وهذه إلى الملابس ، وقوله : ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) لم يذكره السهيلي ، وفيه الجوابان السابقان . وأمثله هذا القسم كثيرة ، كقوله تعالى : ( وله ما سكن في الليل والنهار ) فإنه قيل : المراد : " وما تحرك " ، وإنما آثر ذكر السكون لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ، ولأن الساكن أكثر عددا من المتحرك . أو لأن كل متحرك يصير إلى السكون ، ولأن السكون هو الأصل ، والحركة طارئة . وقوله : ( بيدك الخير ) تقديره " والشر " ، إذ مصادر الأمور كلها بيده جل جلاله ، وإنما آثر ذكر الخير ، لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم إليه ، أو لأنه أكثر وجودا في العالم من الشر ، ولأنه يجب في باب الأدب ألا يضاف إلى الله تعالى ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " والشر ليس إليك " . وقيل : إن الكلام إنما ورد ردا على المشركين فيما أنكروه مما وعده الله به على لسان جبريل ، من فتح بلاد الروم وفارس ، ووعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك ، فلما كان الكلام في الخير خصه بالذكر باعتبار الحال .