وأما العين في الأصل فهي صفة ومصدر لمن قامت به ثم عبر عن حقيقة الشئ بالعين
قال : وحينئذ فإضافتها للبارئ في قوله : ( ولتصنع على عيني ) ( 1 ) حقيقة - لا مجاز
كما توهم أكثر الناس - لأنه صفة في معنى الرؤية والإدراك ، وإنما المجاز في تسمية
العضو بها ، وكل شئ يوهم الكفر والتجسيم ، فلا يضاف إلى البارئ سبحانه
لا حقيقة ولا مجازا " .
قال السهيلي : ومن فوائد هذه المسألة أن يسأل عن المعنى الذي لأجله قال :
( ولتصنع على عيني ) ( 2 ) بحرف ( على ) ، وقال : ( تجرى بأعيننا ) ( 3 ) ، ( واصنع
الفلك بأعيننا ) ( 4 ) وما الفرق ؟ والفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيا
وإبداء ما كان مكنونا ، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون شرا " ، فلما أراد
أن يصنع موسى ويغذى ويربى على جلى أمن وظهور أمر لا تحت خوف واستسرار دخلت
( على ) في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطى معنى الاستعلاء ، والاستعلاء ظهور وإبداء ،
فكأنه سبحانه يقول : ولتصنع على أمن لا تحت خوف ، وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية
والكلأ . وأما قوله : ( تجرى بأعيننا ) ( 3 ) ، ( واصنع الفلك بأعيننا ) ( 4 ) فإنه
إنما يريد في رعاية منا وحفظ ، ولا يريد إبداء شئ ولا إظهاره بعد كم ، فلم يحتج الكلام
إلا معنى ( على ) .
ولم يتكلم السهيلي على حكمة الإفراد في قصة موسى والجمع في الباقي ، وهو سر لطيف ،
وهو إظهار الاختصاص الذي خص به موسى في قوله : ( واصطنعتك لنفسي ) ( 5 )
البرهان — صفحة 87
مساهمون: الزركشي
ص٨٧