فإن قيل : وكيف خوطبوا بما لا يعلمون إذ اليد بمعنى الصفة لا يعرفونه ، ولذلك
لم يسأل أحد منهم عن معناها ، ولا خاف على نفسه توهم التشبيه ، ولا احتاج إلى شرح
وتنبيه ، وكذلك الكفار ، لو كان لا يعقل عندهم إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى
التناقض ، واحتجوا بها على الرسول ، ولقالوا : زعمت أن الله ليس كمثله شئ ، ثم تخبر
أن له يدا " ، ولما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا كافر ، علم أن الأمر عندهم كان جليا لاخفاء به ،
لأنها صفة سميت الجارحة بها مجازا " ، ثم استمر المجاز ( 1 ) فيها حتى نسيت الحقيقة ، ورب
مجاز كثير استعمل حتى نسي أصله ، وتركت صفته - والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها
قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص ، والقدرة أعم ، كالمحبة مع الإرادة والمشيئة ، فاليد
أخص من معنى القدرة ، ولذا كان فيها تشريف لازم .
وقال البغوي في تفسير قوله تعالى : ( لما خلقت بيدي ) ( 2 ) : في تحقيق الله التثنية
في اليد دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة ، وإنما هما صفتان من صفات ذاته .
قال مجاهد : اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة مجازه ( لما خلقت ) كقوله : ( ويبقى وجه
ربك ) ( 3 ) ، قال البغوي : وهذا تأويل غير قوي ، لأنها لو كانت صلة لكان لإبليس
أن يقول : إن كنت خلقته فقد خلقتني ، وكذلك في القدرة والنعمة لا يكون لآدم
في الخلق مزية على إبليس . وأما قوله تعالى : ( مما عملت أيدينا ) ( 4 ) فإن العرب
تسمى الاثنين جمعا ، كقوله تعالى : ( هذان خصمان اختصموا ) ( 5 )
البرهان — صفحة 86
مساهمون: الزركشي
ص٨٦