أسلوب مخصوص في الجزالة ، وبعضه على أسلوب يخالفه ، وكلام الله تعالى منزه ( 1 ) عن هذه
الاختلافات ، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره ، وعلى مرتبة واحدة في
غاية الفصاحة ، فليس يشتمل على الغث والسمين ، ومسوق لمعنى واحد ، وهو دعوة الخلق
إلى الله تعالى ، وصرفهم عن الدنيا إلى الدين ، وكلام الآدميين يتطرق إليه هذه الاختلافات ،
إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم ، ثم اختلاف
في درجات الفصاحة ، بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث والسمين ، فلا تتساوى
رسالتان ولا قصيدتان ، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة ، وأبيات سخيفة ، وكذلك تشتمل
القصائد والأشعار على أغراض مختلفة ، لأن الشعراء والفصحاء ( في كل واد يهيمون ) ( 2 ) ،
فتارة يمدحون الدنيا ، وتارة يذمونها ، وتارة يمدحون الجبن فيسمونه حزما ، وتارة يذمونه
ويسمونه ضعفا ، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صراحة ، وتارة يذمونها ويسمونها تهورا ،
ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات ، لأن منشأ هذه الاختلافات اختلاف الأغراض ،
واختلاف الأحوال ، والإنسان تختلف أحواله ، فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع
وفرحه ، ويتعذر عليه عند الإنقباض . ولذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشئ مرة
ويميل عنه أخرى ، فيوجب اختلاف الأحوال والأغراض اختلافا في كلامه بالضرورة ،
فلا تصادف اللسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة ، وهي مدة نزول القرآن ، فيتكلم على
غرض واحد ، وعلى منهج واحد ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا " تختلف
أحواله ، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجد فيه اختلاف كثير ، فأما اختلاف
الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن ، وكيف يكون هذا المراد ، وقد قال
تعالى : ( يضل به كثيرا " ويهدي به كثيرا " ) ( 3 ) ، فقد ذكر في القرآن أنه في نفسه
البرهان — صفحة 47
مساهمون: الزركشي
ص٤٧