يقول : ( وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ) .
وقوله : ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) ، فإنه حال مؤكدة
لقوله : ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ) ، وبهذا يزول الإشكال في أن
شرط الحال الانتقال ، ولا يمكن ذلك هنا ، فإنا نقول : ذلك شرط في غير المؤكدة ولما لم يقف
ابن جنى على ذلك قدر محذوفا ، أي معتقدا خلودهم فيها ، لأن اعتقاد ذلك أمر ثابت عند غير
المؤمنين ، فلهذا ساغ مجيئها غير منتقله .
ومنهم من نازع في التأكيد في بعض ما سبق ، لأن الحال المؤكدة مفهومها مفهوم
عاملها ، وليس كذلك التبسم والضحك ، فإنه قد يكون من غير ضحك ، بدليل قوله :
( تبسم تبسم الغضبان ) .
وكذلك التولية والإدبار في قوله تعالى : ( ولى مدبرا " ) ، ( ثم وليتم
مدبرين ) ، فإنهما بمعنيين مختلفين ، فالتولية أن يولى الشئ ظهره ، والإدبار أن
يهرب منه ، فليس كل مول مدبرا ، ولا كل مدبر موليا .
ونظيره قوله تعالى : ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا
مدبرين ) ، فلو كان أصم مقبلا لم يسمع ، فإذا ولي ظهره كان أبعد له من السماع ، فإذا
أدبر مع ذلك كان أشد لبعده عن السماع .
ومن الدليل على أن التولي لا يتضمن الإدبار قوله : ( فول وجهك شطر المسجد
الحرام ) ، فإنه بمعنى الإقبال .
البرهان — صفحة 403
مساهمون: الزركشي
ص٤٠٣